وهكذا انحنى الرئيس الباكستاني برويز مشرف أمام العاصفة، وأعلن تنحيه عن الرئاسة، ودافع في خطاب متلفز للأمة عن أدائه خلال 9 سنوات، في قيادة البلد، وأعرب عن قلقه البالغ على مستقبل باكستان، طالباً الصفح من الشعب، وأدى رئيس مجلس الأعيان اليمين الدستورية رئيساً بالوكالة، ونزل خصوم الجنرال إلى الشوارع في المدن والبلدات الباكستانية ورقصوا فرحاً ووزعوا الحلويات وأطلقوا الأعيرة النارية في الهواء، ودعا زعماء عالميون إلى استمرار الاستقرار والوحدة في باكستان.
وقال مشرف انه خدم بلاده طوال الأعوام الماضية “بأفضل صورة” وأنقذها من أن تصنف “بلداً فاشلاً”، وأشار إلى أنه استقال من منصبه رئيساً بعد مشاورات مع حلفائه السياسيين ومستشاريه القانونيين، حرصاً على سلامة البلاد، ولتجنيبها الشقاق والانقسام، ودعا القوى السياسية إلى المصالحة ونبذ الفرقة والمواجهات. وقال انه يترك مصيره بين أيدي الشعب الباكستاني، ونفى صحة الاتهامات التي وجهها إليه التحالف الحاكم بهدف محاسبته، وعزله، وقال انه يستطيع مواجهة لائحة الاتهام، وشدد على انه لم يفعل شيئاً من أجل مصلحته الخاصة، بل من أجل باكستان التي أحبها وخاض دفاعاً عنها حربين، ودافع عن حصيلة حكمه، وأشار إلى إنجازات مثل حفظ الأمن والنظام ورعاية حقوق الإنسان، وترقية الديمقراطية وجعل باكستان تحتل موقعها الإقليمي والدولي اللائق بها.
وقال “لا أخشى المواجهة، وباكستان تظل أولاً بالنسبة لي، وحرصاً على استقرارها أستقيل”، ودعا إلى خطوات عاجلة لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار.
وكشفت مصادر دبلوماسية ل “الخليج” في واشنطن أن جهوداً عربية بالتنسيق مع واشنطن أسهمت في إقناع مشرف بالتنحي.
وذكرت أن واشنطن وجهت رسالة “تحذيرية” إلى مشرف بضرورة استقالته، خاصة بعد تصاعد التباين بين إسلام آباد وواشنطن عقب رفض باكستان السماح لقوات أمريكية بتنفيذ عمليات مباشرة في إقليم القبائل شمال شرق باكستان المتاخم لأفغانستان. كما أن وفداً استخبارياً أمريكياً رفيعاً زار إسلام آباد الشهر الماضي عرض على مشرف “أدلة” قاطعة على تورط المخابرات الباكستانية في الهجمات الانتحارية بأفغانستان.
وأكدت المصادر أن مشرف حصل على ضمانات سعودية وبريطانية بعدم تعرضه للمحاكمة، وضمان خروجه بأمان من باكستان.
وحسب معلومات “الخليج” في واشنطن فإن الإدارة الأمريكية الحالية ستسارع إلى عرض مساعدات ضخمة تركز مبدئياً على تقديم دعم اقتصادي لمعالجة التأثيرات السلبية التي طالت باكستان من جراء الارتفاع العالمي لأسعار الطاقة والمواد الغذائية، وذلك بانتظار فترة انتقالية مريحة تضمن لأي من المتنافسين سواء نواز شريف المعروف بمساندة القطاع الرأسمالي والصناعي والاستثماري له، أو حزب الشعب بقيادة ارمل بينظير بوتو الذي كان قد تلقى ترحيباً أمريكياً دافئاً مؤخراً، وحيث تتطلع واشنطن إلى قيادة ديمقراطية تدعم الفكر الرأسمالي و(تريح) الشعب الباكستاني اقتصادياً لتدفعه نحو رفض (التيارات الدينية المتنامية).
وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قد أعلنت، أمس، حض بلادها الباكستانيين على مضاعفة الجهد لترقية مستقبلهم ومكافحة التطرف ومعالجة نقص الطعام والطاقة وتحسين الوضع الاقتصادي، وقالت إن واشنطن ستساعد باكستان من أجل تحقيق هدف “دولة إسلامية ديمقراطية حديثة تتمتع بالرخاء والاستقرار”.
وأعلن البيت الأبيض باسم الرئيس جورج بوش أنه ملتزم بالعمل مع باكستان قوية تواصل جهودها لتعزيز الديمقراطية ومكافحة الإرهاب، وأشاد بمشرف الذي كان حليفاً جيداً في الحرب على الإرهاب.